محمد حسين علي الصغير
11
نظرات معاصرة في القرآن الكريم
وتحقيق الزيادة في أولية الاستقراء والاستنباط . إذ قد يتوصل الكثيرون إلى ذلك فيما بعد بنظام أفضل ، ومواصفات متكاملة ، فيكون الرائد في الاكتشاف أو الاختراع قد سبق الآخرين وحقق ما لم يحققوه دون إعجاز كما هي الحال في التقنيات الحديثة ؛ وإنما الإعجاز هي التفرد بالشيء في محور إلهي على يد الأنبياء بين يدي رسالاتهم على سبيل التحدي ، فالسبق إلى الاكتشاف كيفية مشتركة بين فرد أو جماعات على نحو الابتكار ، لا على سبيل التحدي ، والمعجزة مختصة بالنبي على سبيله ، فالمبتكر - إذن - يحقق سبقا علميا ، والمتحدي يحقق إعجازا إلهيا ، وفرق بين الأمرين . والمعجزة الإلهية في هذا الملحظ على نوعين : وقتية ودائمية ، وجميع معاجز الأنبياء وقتية - كما يدل عليه الاستقراء - ذهبت بذهابهم ، إلا معجزة محمد وهي القرآن فإنها باقية ما بقي الدهر ؛ على أن النبي قد شارك سائر الأنبياء في معاجزهم الموقوتة ، فكان له انشقاق القمر وتسبيح الحصى ، وسعي الأشجار ، وشهادة الغيب . . . الخ . ومعجزة كل نبي شيء ورسالته شيء آخر ، فمعجزة موسى عليه السّلام في العصا واليد البيضاء والآيات البينات ، ولكن رسالته هي التوراة . ومعجزة عيسى في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه تعالى ، ولكن رسالته هي الإنجيل ، إلا نبينا محمد فإن معجزته عين رسالته ، ورسالته هي معجزته ، وهما معا القرآن « 1 » . وبراعة الإعجاز تتجلى في ملائمة قضية الإعجاز لكل نبي بما يلائم عصره ، وينسجم مع فنون جيله ، ويعزى إلى حياة قومه فيما هو طبيعي أو خارق دون تحد . وكان الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السّلام أول من نبه إلى هذه الحقيقة العالية فيما رواه ابن السكيت ( ت : 244 ه ) قال ابن السكيت للإمام الرضا عليه السّلام : « لما ذا بعث اللّه موسى بن عمران عليه السّلام بالعصا ويده البيضاء ، وآلة السحر ؟ وبعث عيسى بآلة الطب ؟ وبعث محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالكلام والخطب ؟ فقال الإمام الرضا : إن اللّه لمّا بعث موسى عليه السّلام كان الغالب على أهل
--> ( 1 ) ظ : مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 130 .